الرئيسية / أخبار حقوقية / محلية / إجراء تحجير السفر والتنقل 100 ألف تونسي تحت طائلته.. و«سيّبني نعيش» حملة لفكّ الحصار
إجراء تحجير السفر والتنقل 100 ألف تونسي تحت طائلته.. و«سيّبني نعيش» حملة لفكّ الحصار

إجراء تحجير السفر والتنقل 100 ألف تونسي تحت طائلته.. و«سيّبني نعيش» حملة لفكّ الحصار

تعالت مؤخرا أصوات المنظمات الحقوقية مطالبة بضرورة الحد من اجراءات تحجير السفر والتنقل دون معايير قانونية أو إثباتية نظرا لما تخلفه هذه الاجراءات من مضايقات وتعطيل لمصالح الناس سيما وان أحد هذه الاجراءات المعروفة أمنيا بـ«س 17» أصبح يطبق ليس على المغادرين لتراب الوطن فقط بل ايضا للمتنقلين بين مدينة وضواحيها.
وفي هذا الاطار اعتبر مرصد الحقوق والحريات المنظم لحملة «سيّبني نعيش» او «عمّار 17» ان اجراء «س 17» اصبح يشكل خطرا كبيرا على حياة المشمولين به خاصة وأنه شمل الآلاف منهم دون دلائل أو براهين قانونية أو تهم ثابتة.
ولئن اعتبر بعض الحقوقيين ان هذا الاجراء من حق الدولة في ظل المحافظة على الأمن العام والقضاء على العمليات الارهابية وانتشار الفكر التكفيري ببلادنا الا انهم ايضا يرون فيه اداة تعسفية وغير قانونية لا ترتكز على معايير مضبوطة وواضحة.
 فما هي حقيقة الاجراء الأمني «س17» وهل هو حقا وسيلة للتضييق على حريات الفرد وهرسلة حقوقه أم ضرورة للحفاظ على أمن البلاد؟
يشهد إجراء تحجير السفر ومنع التنقل المعروف أمنيا بـ «س 17» تطورا من حيث تزايد عدد المشمولين الأمر الذي اعتبرته عديد المنظمات الحقوقية المدافعة عن الحريات تجاوزا خطير لحقوق الانسان وعودة الى اجراءات التضييق على الحريات تحت غطاء الوضع الأمني الراهن والمتأزم للبلاد.
هذا الإجراء عطل مصالح الكثيرين وأوقف تجارة البعض وتسبب  في  طرد  البعض الاخر من عمله بل أنه حرم من هو في أمسّ  الحاجة للسفر والمعالجة…
والسؤال الذي يطرح نفسه وبإلحاح ما مصير هؤلاء الذين شملهم هذا الإجراء?
تضييقات يومية
«قهر كبير معاناة أكبر تعيشها العائلة جراء المداهمات اليومية للمنزل» هكذا وصف السيد صالح النقاز والسيد صبري  النقاز وضعه مضيفا أن هذه المعاناة وهذا القلق متواصل إلى  يومنا هذا وذلك منذ سنة 2013 عندما اكتشف أن ابنه مشمول  بإجراء «س 17» وقد اكتشف محدثنا أن ابنه ممنوع من السفر على اثر محاولة هذا الأخير السفر في إطار عمله بوكالة للأسفار.
ويقول والد صبري أن ابنه البالغ من العمر 29 سنة والحاصل على شهادة مهندس في الإعلامية أصبح يعاني عديد المضايقات والهرسلة جراء البحث الأمني اليومي اثر تعرضه لدوريات أمنية فضلا عن تحجير السفر عليه ليس خارج الوطن فقط بل انه يتعرض للمضايقات حتى عند التنقل بين المدن القريبة أو البعيدة وأصبح بهذا الاجراء معرضا للطرد من وظيفته باعتباره غير قادر على أداء مهامه في عمله على أكمل وجه في ظل هذه المضايقات والعراقيل.
وأضاف محدثنا أنه منذ سنة 2013 وهو يعمل على رفع هذه المظلمة عن ابنه حيث قدم 9 عرائض في الغرض لوزارة الداخلية لكن دون أي  فائدة ترجى.
وأشار الى أن التهمة الموجهة لابنه بحسب ملفه الأمني هي اعتباره عنصرا سلفيا تكفيريا مصنفا خطيرا جدا تابعا لتنظيم إرهابي محظور مؤكدا أن ابنه ليست لديه أي انتماءات فكرية كما أن هذه التهمة لا دلائل قانونية تؤكدها وأن هذا  الاجراء الذي يقيد ابنه ويمنعه من السفر وهذه التهمة التي التصقت به وبمستقبله تجعل من العائلة بأكملها تعيش معاناة كبيرة تحت سقف الخوف والقلق الدائم.
من جانبها عبرت السيدة ريمة شلابية البالغة من العمر 36 سنة عن معاناتها التي خلفها لها اجراء «س 17» حيث أنها مشمولة بهذا الاجراء منذ  سنة 2010 دون علمها بذلك وبعد عودتها من البحرين بعد انتهاء عقد العمل تعرضت للإيقاف في مطار تونس قرطاج الدولي ومنذ ذلك الحين وهي تعيش رهن التفتيش والمراقبة ومنعت من السفر خارج الوطن ونظرا لما تتعرض له  من مضايقات عند سفرها بين المدن فإنها خيرت أن تبقى في العاصمة… وذلك تفاديا  لأي  عراقيل أو مضايقات وهي تؤكد أنها الى يومنا هذا لا تعلم نوعية التهمة الموجهة إليها والتي حرمتها من السفر كما أنها نقية  السوابق العدلية ولم ترتكب أي  مخالفات يعاقب عليها القانون.
وأوضحت ريمة أن هذا الإجراء قد حطم حياتها المهنية وحرمها من حياة طبيعية حيث أنها خسرت زوجها الذي تخلى عنها نتيجة للمضايقات التي تواجهها كلما حاولت التنقل من مكان الى آخر.
«س 17» إجراء جائر
وفي سياق معرفة الاجراء الحدودي  المعروف أمنيا بـ«س 17» فسّر لنا السيد مالك بن عمر المحامي وكاتب عام مرصد الحقوق والحريات بأنه علامة أمنية (او اشارة) تبرز على المنظومة المعلوماتية لدى الأمن التونسي حول الشخص المشمول بهذه الاشارة حيث ان المواطن الذي تسجّل في حقه هذه العلامة «س 17» يتعرض للتوقيف في كل دورية أمنية كما أنه يمنع من التنقل والسفر.
واضاف بن عمر ان هذا الاجراء بعد ان كان يقتصر على أجهزة ادارة الحدود أصبح اليوم منتشرا في كل مكان داخل البلاد وعند كل عون وأي دورية وهو ما يجعل المواطن الذي يشمله هذا الاجراء يعاني الهرسلة والاهانات لساعات طويلة كلما تم توقيفه من قبل دورية أمنية وذلك حتى في تنقله بين المدن القريبة.
واعتبر محدثنا اجراء «س 17» تضييقا على حريات الناس وهو يذكرنا بـ«عمار 404» الذي اعتمده النظام السابق كقيد على متصفحي الفايسبوك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي الا ان اليوم وبعد ثورة الحرية والكرامة اصبح الاجراء الجديد يضيّق على الناس تحركاتهم وينغّص حياتهم ليس لحرمانهم من التنقل داخل الوطن وخارجه فقط بل ايضا على مستوى حياتهم الشخصية حيث يجدون انفسهم مفروزين عن المجتمع ويعانون الاحساس بالوحدة والاحباط الذي قد يصل حدّ النقمة خاصة في ظل تجاهل معظم السلط لمطالب هؤلاء الناس كما ان اغلب ضحايا الاجراء قدموا تظلما لوزارة الداخلية الا انهم لم يتلقوا اي تفسيرات او توضيحات بل ان نسبة كبيرة من هؤلاء لا تعرف نوعية التهمة الموجهة لها او متى يرفع عنها تحجير السفر.
واعتبر بن عمر اجراء «س 17» قرارا جائرا سيما وان نسبة ٪50 من الذين شملهم «س 17» من الحالات التي وردت على مرصد الحقوق والحريات لم يخضعوا سابقا الى اي بحث أمني او الى اي تتبع قضائي وبالتالي تغيب المعايير التي اعتمدتها وزارة الداخلية التي جعلت هؤلاء تحت طائلة هذا الاجراء. كما ان اغلبهم لا يتفطن الى انه مقيّد بـ«س 17» إلاّ بعد سنتين او أكثر.
واضاف محدثنا ان من أكبر المظالم التي يخلفها اجراء «س 17» ان ٪60 من المشمولين به هم من الطلبة والأساتذة بالاضافة الى انه قرار لم يرحم الكثير من ذوي الاحتياجات الخصوصية الذين حرمهم من حق السفر الى  الخارج لتلقي العلاج.
100 ألف تونسي متضرر
وأفادنا بن عمر ان اجراء «س 17» اصبح يشكل ضغطا كبيرا على الالاف من المواطنين ويمثل انتهاكا لحقوقهم التي يكفلها لهم الدستور حيث ان الفصل 49 يضمن لكل مواطن الحرية في التنقل داخل الوطن وله الحرية ايضا في مغادرته. ودعا محدثنا جميع السلط المعنية الى ضرورة التدخل لرفع المظالم عن الناس وخاصة السلطة التنفيذية لتراجع هذه السياسة وان تقدم للناس المشمولين بهذا الاجراء وهم بالالاف تفسيرا وتشرح لهم الأسباب التي جعلتهم تحت طائلة هذا الاجراء وترفع المظلمة عن كل من لا تهمة له.
وبين محدثنا بعض خطوات مرصد الحقوق والحريات في هذا الاتجاه وتتمثل في حملة «سيّبني نعيش» او«عمار 17» للتخفيف عن الناس الذين شملهم اجراء «س 17» بطريقة تعسّفية دون أيّ ضوابط وكذلك دعوة السلط المعنية من خلال هذه الحملة المتواصلة للتدخل ورفع عديد المظالم التي سببها هذا الاجراء سيما السلطة التشريعية لتنقّح  القوانين  وتمارس  دورها  الرقابي على الحكومة وخاصة على وزارة الداخلية التي لا تستجيب لمطالب المشمولين بهذا الاجراء ولا ترد على العرائض التي ترفع لها في هذا الشأن ـ حسب قوله ـ موضحا حجم المعاناة لهذه الفئة من خلال تقديرات المرصد لعدد الحالات المتضررة من هذا الاجراء والتي لا تقل عن 100 ألف تونسي كما أن عدد الشكاوى التي بلغت المرصد منذ سنة 2015 الى السنة الحالية فاقت الـ500.
غياب المقاييس والمعايير
من جانبه اعتبر السيد لطفي عزوز رئيس فرع تونس لمنظمة العفو الدولية ان غياب المقاييس او المعايير المعتمدة في تصنيف فرد أو آخر كمشتبه به يعمق ازمة الثقة بين السلط وأفراد المجتمع حيث لا يعلم احد اليوم ما اذا كانت تشمله هذه الاجراءات ام لا كما انه لا احد يعلم لماذا تم وضعه تحت طائلة «س17» ولا متى؟ ولا كيف يرفع عنه التحجير؟ وما يزيد في عمق الاضرار التي يسببها هذا الاجراء للمشمولين به أنهم لا يجدون تفسيرا سوى كون المعايير المعتمدة  تقتصر على المظهر والفكر والتاريخ اي ان هذه الايقافات تتم بناء على بعض الشكوك وحتى الوشايات على حد تعبيره.
وأوضح عزوز ان مثل هذه الاجراءات يجب ان تطبق وفق عديد الضمانات التي يكفلها القانون والدستور حيث أنه من حق الدولة فرض الاجراءات الرقابية ولكن ليس بشكل تعسفي وظالم حيث ان اجراء «س17» رمى بالقوانين عرض الحائط سيما وأنه شمل الآلاف من المواطنين دون تهمة ثابتة. وما يسببه هذا الاجراء من عبث بحياتهم وتضييق على حرياتهم ومستقبلهم ويمكن ان يخلق منهم جيلا جديدا من الارهابيين جراء تزايد الحقد والنقمة في نفوسهم سيما في ظل انعدام الانصاف.
س 17… بأمر قضائي
اعتبر جل الذين التقيناهم ان اجراء «س17» تعسفي وجائر ومن وجهة نظر القانون أفادنا الأستاذ في القانون الدستوري قيس سعيد ان «اجراء س17» وغيره من الاجراءات ليست قضية دستورية فحسب بل تتجاوز ذلك الى ما هو أعمق وفيما يخص التشريع المتعلق بالتنقل فانه يفترض ان لا يتم فرضه الا عن طريق القضاء، حيث انه اذا كانت هناك دواع تقتضي اتخاذ جملة من الاجراءات فانها يجب ان تكون في اطار القانون وصادرة عن قضاء مستقل يعمل بالاساس على ضمان الحقوق والحريات، حيث انه اذا تواجدت اوضاع تستدعي الحدّ منها فلا يكون ذلك الا مع احترام التناسب بين الضوابط وموجباتها كما ينص على ذلك الفصل 49 من الدستور وهو نفس الفصل الذي يؤكد على دور القضاء في حماية الحقوق والحريات من أي انتهاكات.
واعتبر محدثنا ان اجراء «س17» يعتبر نتاج سلطة تقديرية للادارة دون حدود او ضوابط طالما انه لا يطبق وفق أمر قضائي فهو تجاوز خطير في حق المواطن التونسي الذي يعيش في وطن يحكمه دستور وتنظمه القوانين.
تضمحل أهداف بعض الاجراءات وايجابياتها حتى وان تعلقت بتحقيق الامن العام في بلادنا ما ان تحولت الى وسائل لبسط النفوذ وتضييق الحريات دون وجه حق بل انها تزداد «سوءا» وكارثية اذا استعملت دون ضوابط أو معايير محددة.

تحقيق من إعداد الصحفية بثينة بنزايد ـ جريدة الصحافة العدد 8565 بتاريخ 26 أكتوبر 2016

photo_2016-10-26_10-51-11

Share Button

عن Administrateur

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*