الرئيسية / أخبار حقوقية / محلية / المنع التعسفي من السفر… لماذا، ومن يتحمّل المسؤولية؟
المنع التعسفي من السفر… لماذا، ومن يتحمّل المسؤولية؟

المنع التعسفي من السفر… لماذا، ومن يتحمّل المسؤولية؟

من جديد عاد إلى السطح وللتناول الإعلامي مسألة المنع من السفر أو عدم تسلّم بعض المواطنين جوازات سفرهم. فالحملات التي قادتها منظمات المجتمع المدني منذ سنة 2013 ضد منع المواطنين من التمتع بحقهم في السفر إلى بلدان أجنبية يبدو أنها ستطلق من جديد في قادم الأيام مع ازدياد عدد الممنوعين من السفر وظهور حالات جديدة.

رضوان مدرب رياضة (33سنة) منذ أكثر من ثلاثة أسابيع كان يهمّ بالسفر إلى الجزائر عبر البر لأسباب تخص العمل لكنه مُنع من اجتياز الحدود. عندما استفسر عن السبب قيل له أن هناك قانونا يمنع سفر الشباب التونسيين الذين لم يتجاوزوا الخامسة والثلاثين من العمر إلى الجزائر خاصة في الليل وعبر البر.

الترخيص الأبوي للسفر وثيقة ضرورية بلا سند قانوني

وبعد محاولات كثيرة واستظهار بعديد الوثائق التي تثبت نية المغادرة للعمل تم السماح له بالسفر. يقول رضوان “كنت سأسافر بالطائرة ولكنني لم أجد مكانا شاغرا وأمام ارتباطات العمل التي لدي في الجزائر اضطررت للسفر برا حيث استقلت سيارة أجرة، ولكني تعطلت كثيرا في الحدود إلى أن سُمح لي بالسفر…”

كان الشرط الوحيد لحل هذا الإشكال هو الاستظهار بموافقة من الوالد، هذه الوثيقة التي أصبحت منذ سنة 2015 تُطلب من أي تونسي يرغب في السفر وهو تحت سن الـ 35، والسبب وراء استصدار هذا القانون الجديد هو رغبة الحكومة في منع التحاق التونسيين ببؤر التوتر والتنظيمات الإرهابية.

إذن السفر من الآباء ليس له أي سند قانوني في تونس، حيث يكفل الدستور والاتفاقيات الدولية التي أمضت عليها تونس حق الأفراد في التنقل بحرية، وفي حالات منع السفر إلى الخارج على الشرطة أن تستظهر بأمر من المحكمة أو من النيابة العمومية، حسب المختصين في القانون والمنظمات الحقوقية.

منع تعسفي من السفر

رضوان ليس الشاب التونسي الوحيد الذي يُمنع من السفر، فمؤخرا تم منع رحاب البالغة من العمر 24 سنة والتي كانت ترغب في السفر لقضاء إجازتها في بلغراد، لكن هذه المرة رحاب كانت مسلحة بكل ما يلزم للسفر من وثائق ضرورية: جواز سفر ساري المفعول، تذكرة سفر ذهابا وإيابا وحجز فندقي وترخيص من والدها بالسفر، إلا أنه يوم 24 ماي الفارط منعتها شرطة مطار تونس قرطاج الدولي من السفر.

وفي نفس السياق قالت آمنة القلالي رئيسة مكتب تونس للمنظمة العالمية هيومن رايتس ووتش: “ماحصل لرحاب يبرز أن شرطة المطار بإمكانها منع المسافرين من السفر تعسفيا، حتى ولو توفرت فيهم جميع الشروط، وهو عمل ليس له اي قاعدة قانونية في التشريعات التونسية.”

لم تسافر رحاب في اليوم ذاته بل سافرت بعد ذلك بثلاث أيام حيث يبدو أن التعاطي الإعلامي مع حكايتها قد شكّل نوعا من الضغط على السلطات المعنية التي تراجعت عن قرارها بعد تعنت كبير. الأمر كان مزعجا بالنسبة إلى رحاب ولكن ما أزعجها أكثر هو الطريقة التي تكلم بها شرطيا المطار معها حيث بدوا وكأنهم يقيمون سلوكها من خلال مظهرها: “أحدهم سألني لماذا شعري أشقر؟” فهمت رحاب أن محدثاها، من خلال الأسئلة التي طرحوها حول عملها وأسباب سفرها وغيرها، قد حاولا إلصاق تهمة السفر للدعارة بها.

بعد قضائها إجازة في بلغراد دامت حوالي أسبوع، عاد رحاب إلى تونس وأصبح ما يؤرقها ليس منعها من السفر من جديد بل المس من أخلاقها من خلال إلصاق تهمة للدعارة بها.

ظاهرة في تطور دائم

مرصد الحقوق والحريات الذي تُعتبر مسألة منع التونسيين من السفر أحد الملفات ذات الأولوية التي يشتغل عليها، كثيرا ما يستقبل عديد الأشخاص الذي مُنعوا من السفر لأسباب مختلفة ويقوم بتوثيق شهاداتهم في هذا الشأن. صرّح لنا مروان جدّة المدير التنفيذي للمرصد: “كحد أدنى هناك حوالي 500 شخص مُنعوا من السفر والرقم مرجح ليكون أكثر من ذلك بكثير لكن يصعب علينا حصره”.

بعض الذين يواجهون هذا الإشكال يتوجهون إلى وسائل الإعلام والمنظمات الحقوقية لإكساب حكايتهم صدى لكن هناك حالات أخرى فضّلت الصمت وعدم تسليط الضوء على قرار منعها من السفر وأسبابه ربما كان اختيار طواعية، في الأثناء يبقى العدد الحقيقي للممنوعين من السفر مجهولا ولكنه في تزايد مستمر.

في هذا الصدد يقول مروان جدّة: “المريب بخصوص المنع من السفر هو كونه ليس أمرا قائما فقط ولكنه إشكال يتسع ويتطور يوما عن يوم… حيث نكتشف كل مرة أن عدد الممنوعين من السفر لا ينفك يزداد عن ما تم توثيقه في مناسبات سابقة.”

من جهتها وثّقت هيومن رايتس ووتش 8 حالات سنة 2015 فقط، رفض فيها موظفو جوازات السفر في مطار تونس السماح لتونسيين بالسفر دون تفسير.

القانون التونسي والمعايير الدولية بخصوص الحق في السفر

ينص الفصل 15 من القانون عدد 40 والمتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر على أنّه: ” يمكن سحب جواز السفر العادي أثناء مدّة صلوحيته في الحالات التالية:

– إذا كان حامله قاصرا أو محجورا عليه وتراجع المقدم الشرعي في الرخصة التي كان منحه إياها سابقا. ويكون السحب بمقتضى إذن على العريضة يصدر عن رئيس المحكمة الابتدائية التي بها محل إقامة حامل الجواز. 

– إذا صدر حكم في إسقاط الحضانة على الأم أو صدر قرار قضائي بسحب الرخصة الممنوحة للطفل في استخراج جواز سفر، مراعاة لمصلحة الطفل وبعد الحصول على إذ على العريضة في السحب من رئيس المحكمة الابتدائية المذكورة.

وتقدم العرائض لرؤساء المحاكم الابتدائية قصد التحصل على أذون عليها طبقا لأحكام مجلة المرافعات المدنية والتجارية.

– بناء على قرار قاضي التحقيق أو دائرة الاتهام أو المحكمة المتعهدة بالنسبة إلى المظنون فيه صاحب الجواز الذي بقي بحالة سراح أو عند وقوع الإفراج عنه مؤقتا بعد إيقافه من أجل جناية أو جنحة تستوجب عقابا بالسجن لا يقل عن عام واحد.

– بطلب من النيابة العمومية إذا صدر ضد صاحب الجواز حكم من أجل جناية أو حكم من أجل جنحة يقضي بعقابه بالسجن لمدة لا تقل عن عام واحد سواء بالبلاد التونسية أو بالخارج، كل ذلك مع مراعاة الأحكام القانونيّة المتعلقة بالعقوبات التكميلية.

– إذا كان من شأن سفر المعني بالأمر النيل من النظام أو الأمن العامين، بشرط أن تحصل الإدارة على إذن قضائي عن طريق النيابة العمومية صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية في الغرض.

كما يمكن للجهة القضائية المتعهدة بالنظر وأثناء تتبع جزائي ضد حامل الجواز، تحجير السفر عليه.

وعند الاقتضاء ولو مع عدم وجود التتبع أو الحكم ضد حامل الجواز، لرئيس المحكمة الابتدائية وبطلب من الإدارة عن طريق النيابة العمومية تحجير السفر عليه للمدة التي يحددها استنادا لأحد الأسباب المبينة بأحكام هذا الفصل.

وفي حالة التلبّس أو التأكيد، للنيابة العمومية اتخاذ قرار تحجير السفر مؤقتا لمدة أقصاها خمسة عشر يوما.”

أما المادة 13 من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان فتنصّ على أنه: ” لكل فرد حرية التنقل… و يحق لكل فرد أن يغادر أية بلاد بما في ذلك بلده كما يحق له العودة إليه.”

آمنة واحدة من عديد الشبان التونسيين الذين تباطأت كثيرا وزارة الداخلية لتمدهم بجوازات سفرهم أو لتجديدها. كانت آمنة ذات الـ 22 سنة تستعد للسفر إلى ألمانيا للقيام بتربص في إطار اختصاصها العلمي نهاية شهر جويلية ولكن طول المدة التي استغرقها استخراج جواز سفرها جعلها تفهم أنه تم رفض طلبها. وعند استفسارها عن الأسباب لم تتلقى تفسيرا واضحا من الجهات الرسمية ولكن بعض المصادر بينت لها أن السبب يرجح أن يكون انتماء أحد أقاربها لتنظيم أنصار الشريعة المحظور، مع العلم أنه لا توجد أي تتبعات عدلية ضد المعني بالأمر.

العديد من التونسيين مُنعوا من السفر إلى بلدان أجنبية عديدة منهم على سبيل الذكر منتصر (مهندس) الذي أراد السفر إلى النمسا للعمل. نفس سبب السفر ونفس المصير واجه يحي المهندس بشركة الكهرباء والغاز الذي كان يستعد للذهاب إلى إيطاليا. كذلك تم منع أحمد (موظف بنزل) من السفر إلى اليابان للسياحة ورضا إلى فرنسا. أما مروان فقد مُنع من اجتياز الحدود التونسية – الجزائرية لحضور مباراة كرة قدم لفريقه المفضل. وعز الدين تم حرمانه من أداء عمرة. قائمة طويلة بأسماء وتفاصيل مختلفة ولكن بقاسم مشترك واحد هو اغتصاب حق السفر.

جريدة آخر خبر- العدد 196 – الثلاثاء 07 جوان 2016

الصحفية نسرين الرمضاني

Share Button

عن Administrateur

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*