الرئيسية / أخبار حقوقية / محلية / الهاربون من تونس… لماذا لا يعودون إليها؟
الهاربون من تونس… لماذا لا يعودون إليها؟

الهاربون من تونس… لماذا لا يعودون إليها؟

اعتقال غير عادي جلب الأنظار في تونس وجعل ناشطين يطلقون حملة على مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بتحرير سجين تحتجزه وزارة الداخلية إلى أجل غير معلوم.
عنوان الحملة هو «أطلق سراح الأخضر». أما المقصود بها فجواز سفر أخضر اللون حُرم منه تونسيون تحت مبرر الخشية من تحولهم إلى ما بات معروفا بمناطق التوتر والنزاعات في العالم، وفي صدارتها الشام والعراق. وبحسب ما نقله موقع «أفريكان مانجر» عن المدير التنفيذي لمرصد الحقوق والحريات فقد منعت السلطات في الآونة الأخيرة أكثر من خمسين ألف تونسي من السفر تحت ذلك المبرر وحده.
ولتتضح الصورة اكثر نقلت صحيفة «الصريح» المحلية عن وزير الداخلية تصريحا حازما لا يحتمل اللبس أو التأويل، قال فيه بمنتهى الثقة والصرامة بأن» كل من يثبت انه يشتبه فيه السفر إلى سوريا للجهاد يتم منعه من السفر وان هناك آليات معمولا بها… وهدفنا أن نحمي تونس وأمنها وان تكون سمعة تونس طيبة خارج أرض الوطن». ولم تسأل الصحيفة الوزير بالطبع عما اذا كان هناك فرق بين الاثبات والاشتباه حتى لا يتهمها أحد بالتستر على الإرهاب والإرهابيين.
لكن الناشطين الذين اطلقوا الحملة رأوا، مثلما جاء في بيان أصدره المرصد «بأن منع المواطنين من السفر بدون سبب قانوني واضح يعد انتهاكا صارخا لحقوق مكفولة بالدستور والقانون والمواثيق الدولية، وتجاوزا واضحا من وزارة الداخلية لمبادئ دولة القانون والمؤسسات… وأن محاربة الارهاب لا تكون الا باحترام القوانين لا تجاوزها وبالمحافظة على الحريات لا بالتعدي عليها».
مجرد الاشتباه إذن صار حجة دامغة وقوية للحرمان من السفر. ألا تسير تونس بذلك على خطى ديمقراطيات عريقة تنظر لباقي الشعوب على انها «صراصير» او في أفضل الاحوال ادنى اهلية وادمية منها مما يفترض التعامل معها بحذر وتحوط مفرط، واخذها بالشبهة والمن على بعض افرادها بتأشيرات الدخول إلى فردوسها الأرضي، وحجبها عن الباقين بدون منطق او تفسير، أو حتى اعتذار عن الرفض باسم أمن قومي يعلو ولا تعلى عليه جعجعة حقوق الانسان وشعاراتها الناعمة والبراقة. الفرق الوحيد أن ذلك يحصل لمواطنيها لا لاجانب او غرباء عنها، على افتراض انهم لايزالون في نظر الدولة ابناء البلد لا وافدين عليه. لقد اعتاد التونسيون على تدخل الدولة في شؤونهم، وعلى غياب الحدود الفاصلة بين حقوق الفرد ومصالح الحكومة وظل التصنيف العملي لهم بنظر النظام قائما على اعتبارهم، إما مشتبها بهم في الولاء والسمع والطاعة، أو على العكس من ذلك في العناد والعداء والمعارضة.
وفي كلتا الحالتين لم تكن هناك لا حدود ولا مقاييس واضحة ومضبوطة لا لشبهة الولاء ولا حتى لشبهة المعارضة. اما الحصيلة النهائية التي خلفها كل ذلك فهي ولادة اجيال باكملها تربت على الخوف والنفاق، وعلى اخفاء وجوهها تحت التراب مثل النعام، عملا بالمثل الشعبي المعروف «إبعد عن الشر وغنيله».
وبالفعل فقد هرب الكثيرون من تونس، إما اختيارا أو اضطرارا وعاشوا بعيدين عنها لعقود طويلة حياة اختلفت بالاساس في أمر واحد وهو الحرية، التي افتقدوها في وطنهم ووجدوها في الخارج. ولم يكن ليدور في خلدهم مطلقا أنها ستصبح يوما قريبة وعلى مرمى حجر. لم يصدقوا ما حصل في الأيام الاولى التي سبقت ذلك الهروب المذل والمفاجئ للحاكم بأمره، من قصر قرطاج مساء الرابع عشر من يناير. لقد كانوا يظنون أن النظام الذي كتم انفاسهم اقوى من أن يتداعى للسقوط بمثل تلك السهولة.
ولكنهم بعد الصدمة استفاقوا فما تابعوه بذهول واندهاش على الشاشات لم يكن فيلما من أفلام الخيال العلمي او الكرتون. لقد صار بلدهم بالفعل حرا وتحول حلم العودة إلى حقيقة لاتقبل التشكيك، وحتى إن حصلوا على جنسيات اوروبية وانصهروا في مجتمعات الغرب، فهم في النهاية لاجئون مؤقتون من المفترض أن يعودوا إلى وطنهم بعد تحريره. لكن المفاجأة المدوية هي انه باستثناء بعض السياسيين، وهم غالبا من المنتمين إلى حركة النهضة، أو من كبار الموظفين في الشركات متعددة الجنسية ممن يطلق عليهم «التكنقراط»، فإن معظم الهاربين من جحيم الاستبداد لم تجلبهم بعد بشائر الديمقراطية. لقد عادوا مجرد زوار ليكتشفوا بلدهم مرة اخرى، ولكنهم لم يختاروا الاستقرار فيه من جديد. هل لان حياتهم واعمالهم منعتهم، أم لانهم وببساطة لم يكونوا مستعدين ابدا للتفريط في ما جنوه زمن الاغتراب من مكاسب ذاقوا الامرين لاجل الحصول عليها؟
رجال السياسة الذين رجعوا وجدوا أنفسهم امام بلد مختلف بالطول والعرض، عما كان يدور في مخيلاتهم وطالتهم سهام النقد من كل جانب. فهم بنظر المنتقدين وبفعل ابتعادهم لعقود طويلة لم يعد بمقدورهم فهم الناس، أو استيعاب تعقيدات الواقع، وحتى داخل حركة النهضة نفسها فقد بدا واضحا أن أسلوب المغتربين ونظرتهم لا تتطابق في كثير من المرات مع من ظلوا في الداخل وافنوا شبابهم في سجون بن علي. أما الباقون فكان اكتشافهم مرعبا. لقد ظنوا انه بزوال الاستبداد سوف تتغير احوال البلد مئة وثمانين درجة، ولكنهم اصيبوا بالخيبة. فالتعقيدات الادارية ظلت على حالها، والأوساخ ومظاهر الإهمال في الشوارع زادت، ونسب الاجرام والاعتداءات ارتفعت. هل كانت تلك هي تونس التي حلموا بها، وهل كانت تلك هي الديمقراطية والحرية التي انتظروها؟
ما حصل هو أن معظم التونسيين لم يكونوا مستعدين أو مهيئين لحياة جديدة. فأقصى ما حلموا به هو لقمة عيش آمنة وســهلة، ولم يكن مهما لاغلبهم لا أسلوب ولا طريقة كسبها. لقد حولهم الاستبداد إلى وحوش كاسرة لا هم لها سوى الركض المستمر وراء ما تركه لها من فرائس بسيطة تسد الرمق.
أما من طالبوا بالحرية ودافعوا عنها فقد ظلوا أقلية، إما صامتة او مسجونة او مغتربة، وسواء بقي النظام القديم ام غير قشرته باخرى اكثر اشراقا وبريقا، فقد بقوا في كل الحالات منبوذين ومبعدين لا اثر لدعواتهم وشجاراتهم تحت قبة البرلمان، أو على شاشات التلفزيون على واقع الناس.
لقد قال الرئيس التونسي في خطابه في اليوم العالمي لعيد العمال بأن تونس «تضمن حرية التعبير وحرية التظاهر وحرية الصحافة وحتى الاساءة اللفظية». لكن الذين جربوا «الهايد بارك» في لندن لن يطمئنهم تصريح الرئيس لسبب واحد على الاقل وهو، أن الديمقراطية في بريطانيا لم تكن مجرد صراع ديكة أو خطابات تلقى في الساحات، بل كانت تقليدا راسخا في وجدان الحكام والمحكومين، وهو الامر المفقود إلى الان في تونس. فالحرية ما تزال للاسف الشديد شيئا مبهما وغامضا ومتعدد التأويلات والفرضيات.
والمصيبة الكبرى هي أن الفهم المشوه لها يقود البعض إلى مصادرتها بالكامل واعتبارها ملكية حصرية لا يجوز للاخرين أن يأخذوا ولو نصيبا بسيطا او محدودا منها.
هل يعني ذلك انه ينبغي على الهاربين في السابق من الاستبداد أن ينتظروا لوقت اخر حتى تنضج تونس للديمقراطية وتصبح نسخة طبق الاصل من اسكندنافيا او سويسرا، وحينها يحلون ببلدهم على الرحب والسعة؟
يظل القرار في كل الاحوال فرديا بالدرجة الاولى، لأن الامر اشبه بمخاطرة غير مأمونة العواقب، لكن ألم يخاطر هؤلاء في الماضي عندما هربوا من جحيم الديكتاتورية. هل نفدت قدرتهم وطاقتهم على الصمود والمقاومة الآن، أم أنهم صاروا مثل المحاربين القدامى لا يطمحون إلا لتقاعد مريح؟
لقد كانوا يأملون أن تفتح الابواب في وجوههم، ولكن السلطات لم تغير على الارجح موقفها منهم، فهي ترحب فقط وكما كان الحال في السابق بما يرسلونه من اموال، أما عقولهم وقلوبهم وضمائرهم فلا تعنيها او تشغلها في شيء.
فكل همها هو التخوف والتوجس من عودة اخرى لهاربين جدد إلى ســـوريا وليبيا والوقوف سدا منيعا امام مرشحين مفترضين للهروب إلى تلك الوجهات.
وفي الظاهر قد يكون الهاربون القدامى اسعد حظا بعد أن حصلوا على «الاخضر» المحتجز في وزارة الداخلية، لكنهم بالمقـــابل لم يتمكنوا إلى الآن من الحصول على بلد فقدوه منذ زمن بعيد. وتلك واحدة من مفارقات كوميديا سوداء يسميها البعض مجازا الانتقال الديمقراطي أو الاستثناء التونسي.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

Share Button

عن Administrateur

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*