الرئيسية / أخبار حقوقية / تحقيقات جريدة الصباح ” منشور منع النقاب بالمؤسسات العمومية بين مطرقة الحريات الفردية وسندان القانون “
تحقيقات جريدة الصباح ” منشور منع النقاب بالمؤسسات العمومية بين مطرقة الحريات الفردية وسندان القانون “

تحقيقات جريدة الصباح ” منشور منع النقاب بالمؤسسات العمومية بين مطرقة الحريات الفردية وسندان القانون “

تونس-الصباح

على خلفية ما عرفته بلادنا خلال أواخر شهر جوان الفارط من ضربات إرهابية نفذها انتحاريون واستهدفت شارع شارل ديغول وفرقة مكافحة الارهاب بالقرجاني وحي الانطلاقة بالعاصمة وفي ظل التهديدات الارهابية التي مازالت قائمة والتي يمكن أن تهدد بلادنا وأمنهاّ تم إصدار قرار حكومي وهو المنشور عدد 15 والذي يقضي بمنع الأشخاص غير مكشوفي الوجه من الدخول الى المؤسسات العمومية والذي كان أثار الكثير من الجدل وأسال الكثير من الحبر حيث اعتبرالبعض ان فيه مساسا بالحقوق والحريات الأساسية التي يكفلها الدستور وجملة المواثيق الدولية في المقابل هناك من استبشروا بهذا المنشور الحكومي رغم أنهم اعتبروه قد جاء متأخرا ودعوا إلى ضرورة تحويله إلى مشروع قانون وتعميمه على كل الفضاءات العامة ضمانا للأمن العام وسلامة المواطنين من كل التهديدات التي يمكن أن تهدد سلامتهم وأمنهم القومي.

“الصباح” استطلعت أراء جملة الأطراف المتداخلة في الموضوع من حقوقيين ونشطاء بالمجتمع المدني فضلا عن بسط بعض الحالات والنماذج لأشخاص منعوا من الدخول للفضاءات العمومية من أجل قضاء أمر ما فكانت الآراء تصب في خانتين لا ثالث لهما وهو أن هذا المنشور مس بجملة من الحقوق الأساسية ودعوا إلى مراجعته أوإلغائه في المقابل هناك من تمسك بتحويله إلى مشروع قانون وإحالته على مجلس النواب للمصادقة عليه.

إعداد: سعيدة الميساوي

عديد المنقبات تم اثر صدور هذا المنشور منعهن من دخول الأماكن العمومية على غرار المؤسسات والمحاكم وغيرها مما أثار استياءهن ومن بين هؤلاء طالبة جامعية منقبة منذ عدة سنوات تدعى “م” صرحت بخصوص الموضوع أنه طوال فترة دراستها الجامعية لم تتعرض إلى أي سوء معاملة بخصوص عملية التثبت من هويتها من قبل أعوان الأمن في المقابل ذكرت بأن المنشور المذكور صار يشكل تهديدا على مستقبلها لأنه سيحرمها من مواصلة دراستها الجامعية خاصة وأنه ينتظر أن تتحصل على شهادتها الجامعية في السنة المقبلة، متسائلة في ذات السياق إذا كان هذا المنشور بات يشكل تعطيلا لها فما بالك ببقية متطلباتها المتعلقة بقضاء شؤون إدارية أو التداوي.

وأكدت بأن هذا المنشور بات يشكل نوعا من التحريض ضد فئة معينة من فئات المجتمع وهن المنقبات حيث صار اللباس الذين يرتدينه يوجه لهن اتهامات هن بريئات منها -على حد تعبيرها-.

“موت ممنهج”

حالة أخرى نذكرها وتتعلق بالمدعوة “س” المتحصلة على شهادة جامعية في مادة الانقليزية وهي حاليا بصدد الدراسة في مركز تكوين خاص لم تجد أي إشكال في تعاملها مع مختلف الإدارات التونسية في وقت سابق ثم بادرت بفتح مشروع للحساب الخاص ولما انطلقت في القيام بالإجراءات القانونية اللازمة لبعث ذلك المشروع واجهها أول عائق على خلفية صدور المنشور الحكومي ويتمثل في منعها من الدخول للقيام بالإجراءات المتعلقة ببعث مشروعها.

وعرجت في ذات السياق على أنه بموجب ذلك المنشور فانها لم تعد قادرة حتى على نقل ابنها للتداوي بالمستشفى عندما يصيبه مرض فضلا عن منعها كحرفية من المشاركة في المعارض التي تقام للغرض من قبل بعض المؤسسات التي ترجع بالنظر لهياكل الدولة.

واعتبرت أن هذا المنشور الحكومي أوقف لها مسار حياتها وسلبها وطنيتها كمواطنة تونسية وجب أن تتمتع بجملة الحقوق والحريات المنصوص عليها بالدستور والتي في المقابل تتمتع بها بقية النساء ببلادنا مضيفة بأن ذلك يمثل إقصاء لها ولبقية النساء اللواتي يرتدين النقاب معتبرة أن منعهن من الدخول للمؤسسات العمومية هو “موت ممنهج” وتجريد من هويتهن.

وعرجت في ذات السياق على أن هذا المنشور سيعمل على التفريق والتمييز بين عموم التونسيين وبث الفتنة بينهم، وهنا دعت المسؤولين صلب هياكل الدولة إلى العمل على توحيد التونسيين لا التفريق بينهم وزرع التفرقة داعية في الأخير إلى ضرورة مراجعة هذا المنشور الذي اعتبرت فيه تعديا كبيرا على الحريات.

حرية المعتقد

حالة ثالثة أخرى تتمثل في منع منقبة من زيارة زوجها المتواجد بالسجن من اجل قضاء عقوبة سجنية حيث تم إعلامها في آخر زيارة لها بأن لا تحضر مجددا لرؤيته رغم أنها في وقت سابق كانت تزوره بشكل عادي وطبيعي طوال ستة سنوات حيث زارت أغلب السجون التونسية وكانت عملية التفتيش تتم بشكل منظم ولم يسجل أي تجاوز قط، واعتبرت أن المنشور المذكور يعتبر جائرا لأنه يمنعها من الحياة ويشكل “موتا بطيئا” بالنسبة لها.

وختمت بالقول أن هذا المنشور يحمل “ايديولوجيا” معينة ولا علاقة له بالدواعي الأمنية بدليل أنها خلال ستة سنوات زارت اغلب السجون ولم يسجل أي إشكال يذكر داعية بالقول أنه “قبل العدل بين المرأة والرجل وجب إقامة العدل بين المرأة والمرأة وإيفاءهن حقهن طبق الدستور وحقهن في ممارسة معتقداتهن”.

“لا” للمنشورعدد 15

إلى ذلك يشار إلى أنه على إثر إصدار رئاسة الحكومة للمنشور المذكور أصدر مرصد الحقوق والحريات بتونس بيانا بتاريخ 8 جويلية 2019 جاء فيه ” بأن المنشور المذكور يعني أساسا بمنع المنقبات من الدخول إلى المؤسسات العمومية، علما أن دعوات منع النقاب وهرسلة المنقبات لم تكن وليدة اللحظة بل وقع تداولها سابقا بدعوى أسباب “بيداغوجية” أو” تواصلية” أو “مجتمعية” قبل أن يصدر أخيرا منشور بمنعه لأسباب ” أمنية ” على عكس ما يتم الترويج له من تبرير لهذا الانتهاك الجديد للحريات، فإنه لم يثبت من خلال آلاف الملفات القضائية سواء في قضايا الإرهاب أو التهريب أو الجريمة المنظمة، تغطية الوجه أو استعمال النقاب عند ارتكاب جرائم وأعمال إرهابية أو من أجل الهروب والتخفي، بل إنّ الثابت والمؤكد استعمال هذه العناصر لوسائل حديثة أخرى كالخضوع لعمليات تجميل أو استعمال وسائل الزينة الحديثة لتغيير ملامح الوجه أو الشعر أو لون العينين وغيرها .

ادانة

كما تضمن ذات البيان “أن الدول القليلة التي منعت ارتداء النقاب كان هدفها الرئيسي والمعلن عنه هو حماية “النمط المجتمعي” و”الدولة العلمانية”، ولا يوجد تقريبا دولة حظرت ارتداءه لأسباب “أمنية” رغم أن بعضها تعرض ولا يزال إلى هجمات وتهديدات إرهابية أخطر من تلك التي شهدتها بلادنا”.

وقد أدان مرصد الحقوق والحريات بتونس ضمن بيانه الصادر في جويلية الفارط المنشور المذكور واعتبره مسقطا وإيديولوجيا وتمييزا ضد فئة من المواطنات التونسيات، مستنكرا استمرار العمل بالمناشير الداخلية المخالفة للقانون والدستور والمعاهدات الدولية والتغييب المتعمد للدور التشريعي لمجلس نواب الشعب خاصة وقد اشترط الفصل 49 من الدستور أن تصدر التشريعات الخاصة بضبط الحقوق والحريات في شكل قوانين ودعا المرصد على إثرها المنظمات الحقوقية والشخصيات الوطنية ونواب الشعب إلى التصدي إلى هذا المنشور، من أجل عدم تكرار ما وصفوه بالمنشور 108 “سيء الذكر” والذي تم سنه وتغليفه بنفس الحجج الواهية لتحقيق نفس الغايات السياسية والايديولجية، مطالبا السلطات إلى عدم الاعتداء على حرية اللباس والمعتقد والحرص مقابل ذلك على التثبت من هويات المنقبات عند دخول المؤسسات العمومية دون إجبارهن على نزع النقاب.

وفي هذا السياق صرح المدير التنفيذي لمرصد الحقوق والحريات الأستاذ مروان جدة في اتصال مع “الصباح” أن المنشور الحكومي عدد 15 المتعلق بمنع تغطية الوجه عند الدخول إلى المؤسسات العمومية أي بصفة عملية منع النقاب وبالتالي فإن أغلب ضحايا هذا المنشور الحكومي هن النساء المنقبات.

وأشار جدة إلى أن عملية تغطية الوجه تعود لأسباب مختلفة سواء منها الصحية أو المهنية إلا أن السبب الحقيقي والموجود غالبا هو سبب ديني.

وبين الأستاذ جدة في هذا السياق أن المرصد ضد أي منشور يحد من الحقوق والحريات وبالتالي فإنه ضد هذا المنشور الصادر عملا بما جاء بالفصل 49 من الدستور أن الحد من الحريات لا يكون إلا بقانون تشريعي يقع عرضه على عموم النواب للمصادقة ثم عرضه على رئيس الجمهورية كي يصبح قانونا ساري المفعول.

لا شرعية

وعرج محدثنا على أن هناك العديد من الحالات تم تسجيلها وتتعلق بمنع بعض المنقبات من الدخول مثلا للمستشفيات أو المحاكم مما عطل مصالحهن والحق بهن بعض الأضراروختم بأن هذا المنشور عدد 15 غير شرعي شكلا لأنه لم يحترم أحكام الدستور ومضمونا لأنه اعتدى على الحريات فضلا عن أن المنع لا يكون إلا في صورة وجود تهديدات خطيرة تهدد أمن البلاد.

خطوة في الاتجاه الصحيح..

وعلى عكس ما ورد سابقا من رفض لهذا المنشور الحكومي ومعارضة معارضة شديدة له من بعض الأشخاص حظي في المقابل بتأييد لدى البعض الآخر وفي هذا السياق صرحت الجامعية والباحثة في الحضارة الإسلامية زينب التوجاني في اتصال مع “الصباح” إن المنشور عدد15 المتعلق بمنع الأشخاص غير مكشوفي الوجه من الدخول للمؤسسات الحكومية خطوة في الاتجاه الصحيح، وهي خطوة تأخرت – بحسب تعبيرها- ولكنها أمست ضرورية خاصة أنها أعقبت عملية إرهابية خطيرة ونوعية استهدفت رمزية وسط العاصمة أي قلب البلاد التونسية وتغطية الوجه تسهم في إخفاء الهاربين من العدالة والمفتش عنهم وترفع درجة المخاطر.

وأضافت التوجاني أنها تعتقد أنه من حق الدولة التونسية اتخاذ القرار الذي يحمي المواطنين من التهديدات ومن المخاطر الأمنية ومن حق الدولة منع تغطية الوجه لأسباب تتعلق بسيادتها وأمنها ولا يتعارض هذا الأمر مع حقوق الإنسان ولا مع حرية اللباس، فالإنسان حر يلبس ما يشاء لكن شرط التمدن معرفة المواطنين هويات بعضهم بعضا، فليس من المعقول إخفاء الوجه الذي يعبر عن هوية المرء.

شرط من شروط الكرامة

وبينت في ذات السياق أنها تدعم تحويل هذا المنشور إلى مشروع قانون وتعميمه على الفضاء العام لانه سيكون مفيدا للجميع وللمدنية والتعايش السلمي ولكرامة الذات البشرية لانه من شروط تلك الكرامة أن تكشف الذات عن نفسها فتتجلى من خلال هويتها البصرية وملامحها التي لا تعبر فقط عن هوية المواطن ذكرا كان أم أنثى بل كذلك عن معاني بصرية يتواصل بها عبر الملامح وتقاسيم الوجه والنظر.

ورحبت محدثتنا بكل منشور في اتجاه حرمة الذات البشرية وكرامتها وأمنها وسلامتها داعية كل مكونات المجتمع إلى الدفاع عن التعايش السلمي واحترام الذات والى الدفاع عن سن قانون يحظر نهائيا هذه الأشكال المهينة والخطيرة للحضور في الفضاء العام والهياكل العمومية والإدارات وخاصة المدارس والمعاهد والجامعات منتهية إلى القول “إننا في حرب ضد الإرهاب وندعم بكل تأكيد اتخاذ الخطوات الصحيحة لحماية المدنيين والأمنيين من مجهولي الهوية والمقنعين وحاملي النقاب” ودعت في ذات السياق إلى أن يقع تطبيق هذا المنشور وان لا يبقى حبرا على ورق ولا يتراجع المسؤولون عن تطبيقه أو يجدوا مخارج لتأويله والاجتهاد في تطبيقه خاصة ونحن على أبواب العودة المدرسية والجامعية وبالتالي طالبت بأن لا يسمح لكل من لا يكشف وجهه بدخول هذه المؤسسات بالذات لما يستوجبه التعليم من تواصل بين المتعلم والمعلم ولان خطوة اتخاذ مثل هذا القرار أولوية عاجلة للتقدم نحو الأمام وضمان السلم والآمن والكرامة.

التزام بالقانون

وفي ذات السياق صرحت عضو الهيئة المديرة للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وممثلة الرابطة في الائتلاف المدني للحريات الفردية أميمة الجبنوني في اتصال مع “الصباح” بخصوص هذا المنشور الحكومي أن الرابطة كمنظمة وطنية اتخذت موقفها بشأن هذا المنشور ويتمثل في أنها حتميا مع حرية اللباس والدين والمعتقد والحريات الفردية وحرية الضمير إلا أنه بحكم أن الأمر صار يتعلق بسلامة الأمن العام والمسألة تحتوي جانبا قانونيا فانه وجب على الجميع الانضباط لما ينص عليه القانون الذي ينظم العلاقات داخل المجتمع وبين الأفراد.

وأضافت الجبنوني انه منذ الثمانيات والتسعينات حينما كان يوجد تضييق على الحريات كانت رابطة حقوق الإنسان من المنظمات السباقة في هذا الشأن خاصة حينما تعلق الأمر بحرمان البعض من اجتياز امتحانات وطنية أو مباشرة أعمالهم بعدد من الإدارات التونسية لكن نظرا للظرفية الحالية والوضع الحالي الذي تعيشه بلادنا فان القانون هو الفيصل.

وكان رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان جمال مسلم صرح في تصريح اعلامي سابق بأن الرابطة مع حرية اللباس إلا أنه مع الوضع الأمني الحالي ونظرا إلى إمكانية استعمال النقاب في عمليات إرهابية فإن الرابطة تتفهم القرار المذكور باعتباره يندرج في إطار الوقاية من الضربات الإرهابية والحفاظ على سلامة المواطنين وأكد مسلم بأنه لم ترد أي تشكيات على الرابطة بخصوص قرار منع النقاب في الإدارات والمؤسسات العمومية.

 

محام لـ “الصباح” :

المنشور باطل وهو شكل من أشكال التمييز العنصري

تونس- الصباح

وسعيا لمعرفة تفاصيل تطبيق هذا المنشور اتصلت “الصباح” بالأستاذ وحيد العوني الذي صرح بخصوص الموضوع بأن المنشور عدد 15 الذي أصدره رئيس الحكومة بتاريخ 05/07/2019 والقاضي بمنع الأشخاص غير مكشوفي الوجه من دخول المؤسسات العمومية بدعوى “الحفاظ على الأمن العام ” يعتبر باطلا– على حد تعبيره- لأن فيه اعتداء صارخ على منظومة الحقوق والحريات التي جاء بها دستور الجمهورية الثانية.

وأشار في ذات السياق إلى أن هذا المنشور هو نسخة معدلة من منشور 108 الذي أصدره النظام البورقيبي واعتمده النظام النوفمبري للقضاء على خصومه السياسيين وذلك بمنع الآلاف التلاميذ والطلبة والموظفين من ممارسة نشاطاتهم اليومية وحرمانهم من حقوقهم المدنية والسياسية بتعلة اللباس الطائفي.

كما عرج الأستاذ العوني على أن هذا المنشور جاء نتيجة دعوات أطلقت منذ مدة لمنع ارتداء النقاب وهرسلة المنقبات بدعوى أسباب تواصلية وأخرى بيداغوجية وأسباب أخرى بكونه خارج عن عادات مجتمعنا قبل ان تقرر الحكومة منع النقاب بالمؤسسات العمومية لأسباب أمنية، وذكر أن هذا التعليل “بالحفاظ على الأمن العام وحسن سير المرافق العمومية وضمان التطبيق الأمثل لمتطلبات السلامة ” وفق ما جاء بحيثيات هذا المنشور كان تعليلا سياسيا-ايديولوجيا غير مستساغ من الناحية المنطقية قبل أن يكون قانونيا وذلك لانعدام كل علاقة منطقية بين منع لبس النقاب كمظهر وحيد لتغطية الوجه وباعتباره من الشعائر التعبدية وتهديدا للأمن والسلامة لأنه لا يمكن أن يكون ارتداء النقاب وسيلة لتضليل الهوية لسبب جد بسيط وهو أنه لا ضرر إن طلب أعوان التنفيذ بالإدارات التونسية كشف الوجه عند الاقتضاء للتثبت من كل شخص مرتدي النقاب وبذلك نسلم من كل اعتداء على الحقوق الفردية وهنا نذكر قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بتاريخ 01/07/2014 في قرارها عدد 11/43835 التي أكدت فيه عدم صحة الاعتبارات الأمنية لتبرير منع النقاب مطلقا وأكدت على أن يكون المنع ظرفيا ومتعلقا ببعض الظروف الاستثنائية.

مخالفة للدستور

وأكد محدثنا أنه بموجب هذا المنشور تعرضت العديد من المواطنات التونسيات اللاتي يلبسن النقاب إلى جملة من المضايقات الأمنية كما تم منعهن من القيام بأبسط الواجبات اليومية وحرمانهن من جميع المرافق والخدمات العمومية وهناك حالات تم منعهن من دخول المستشفيات والمحاكم ومؤسسات التعليم ومراكز البريد والبنوك وغيرها مشيرا في ذات السياق إلى أن هذا المنشور من حيث القانون لا يمكن الأخذ به بحكم الدستور ويكفي أن نستعرض بعض النصوص التي وردت بالدستور التي جاءت صريحة في هذا الإطار حيث نص الفصل 49 على ضوابط الحد من الحقوق والحريات وجاء فيه “يحدد القانون الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المضمونة بهذا الدستور وممارستها بما لا ينال من جوهرها “.

وينص الفصل 65 كذلك بكونه “تتخذ شكل قوانين أساسية النصوص المتعلقة بالمسائل التالية : الحقوق والحريات ” و في قراءة سريعة وجامعة للفصلين المذكورين فانه يتضح جليا – وفق محدثنا- أن تحديد ضوابط الحقوق والحريات يجب أن تكون بمقتضى قانون أساسي صادر عن سلطة تشريعية أي عن طريق مجلس النواب لا عن طريق منشور حكومي بما يؤكد تعدي رئيس الحكومة على اختصاصات غيره من السلطات وهي محاولة يائسة وبائسة للجمع بين السلطات -على حد تعبيره-..

في المقابل وجب التذكير بأن الدولة التونسية قد صادقت على الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري وجاء بالمادة “5” منه ” تتعهد الدول الأعضاء بحظر التمييز العنصري والقضاء على كافة أشكاله وبضمان حق كل إنسان دون تمييز بسبب العرق أو اللون أو الأصل القومي أو الاثنين في المساواة أمام القانون لا سيما بصدد التمتع بالحقوق التالية الحق في حرية العقيدة والدين “.

وجاء بالفصل الأول من القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2001 المتعلق بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري انه ” يهدف إلى القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ومظاهره حماية لكرامة الذات البشرية وتحقيقا للمساواة بين الأفراد في التمتع بالحقوق وأداء الواجبات وفقا لأحكام الدستور والمعاهدات الدولية المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية “.

تمييز عنصري

وختم الأستاذ العوني بالقول بأن هذا المنشور يعد شكلا من أشكال التمييز العنصري القائم على أساس الدين والمعتقد وحرمان المواطنات اللاتي يلبسن النقاب من حقوقهن المكفولة دستوريا وإقصائهن من الحياة العامة وجعلهن مواطنات درجة ثانية، مضيفا في هذا الجانب أنه الأجدر بالحكومة التونسية حماية مواطنيها من مثل هذه الانتهاكات وان تتصدى لمثل هكذا تمييز وممارسات لا أن تتصدر المشهد وتكون هي من تمارس سياسية التمييز على فئة معينة من مواطنيها وتنتهك حقوقهم وتستبيح حرياتهم، مع العلم بأن مجلس الدولة الفرنسي في إحدى دراساته حول عدم الجواز القانوني لمنع النقاب بصفة مطلقة أكد بأنه لا وجود لسند يمكن أن نؤسس عليه المنع بصفة مطلقة على اعتبار مساس مسألة ارتداء النقاب بالحقوق والحريات كالحرية الخاصة، الحرية الشخصية، الحق في احترام الحياة الخاصة، وحرية التعبير والضمير وحرية ممارسة الشعائر الدينية ومنع التمييز لذلك وجب على الحكومة التراجع عن هذا المنشور لمساسه بالقوانين الداخلية بالاتفاقيات المصادق عليها من قبل الجمهورية التونسية وكذلك دستور الجمهورية الثانية.

سعيدة الميساوي

 

Share Button

عن Administrateur

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*